شارك الخبر

محمود بسيوني يكتب: عن الخلافات السعودية القطرية

بتاريخ:
محمود بسيوني يكتب: عن الخلافات السعودية القطرية
تعود الخلافات الخليجية إلى الواجهة، بعدما طفا على السطح خلاف جديد بين قطر والسعودية حول المعارك في اليمن، ولعبت الجزيرة عن تعمد وقصد دورا سلبيا في تأجيج التشاحن بين الدوحة والرياض على خلفية جرائم حرب ارتكبت خلال عاصفة الحزم، فبينما كانت القناة تحاول تبييض وجه قطر وإبعادها عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية اصطدمت بالسعودية.
 
والذي حدث أن مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية اشتعلت بالهجوم على قناة "الجزيرة" الإنجليزية بسبب سؤال وجهه المذيع بالقناة مهدي حسن إلى عبدالله المعلمي مندوب السعودية في الأمم المتحدة، قال فيه: "في صيف 2014 عندما كانت غزة تحت القصف الإسرائيلي شجب الملك عبدالله حينها واصفًا إياها بالمذبحة الجماعية، وأضاف: "ماذا تقول لمن يقول هذه الأيام أن أعمالكم في اليمن ليست مختلفة عما حدث في غزة، هم يقولون إنهم قصفوا حماس بينما سقط مدنيون، أنتم تقولون إنكم تقصفون حوثيين وليس اليمنيين ولكنكم تقتلون مدنيين"، وهو ما رفضه الدبلوماسي السعودي الذي ارتبك وقال إن "الوضع مختلف بشكل كلي".
 
توازي مع سؤال الجزيرة "الملغم"، عرض عدد من التقارير التي أذاعتها القناة القطرية تتهم فيها السعودية بأنها تدعم وتمول الإرهاب وهو الاتهام الذي تتهرب منه السعودية دائما، بل وأنشأت قناة خاصة بالإنجليزية لا يُعرض بها سوى أخبار مكافحة السعودية للإرهاب، والحقيقة أن الاتهام بتمويل ودعم الجماعات الإرهابية أصبح مثل كرة النار التي يتبادل السعوديين والقطريين تقاذفها بعدما تصاعدت الاتهامات الدولية الموجهة لكلا البلدين بسبب العلاقات التي تربطهما بالجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا وليبيا.
 
ولا يحتاج دور الجزيرة في الترويج لسياسات قطر والدفاع عنها إلى بيان فهي السوط المخيف الذي يلوح به حكام قطر في وجه الأنظمة العربية التي تُعارضها، حتى أن السفير الأمريكي السابق في قطر جوزيف لوبارون قال في مذكرة دبلوماسية إن السياسة الإعلامية التي تتبعها الجزيرة تؤكد أنها أداة فاعلة في سياسة الأمير القطري الخارجية، فالأمير يُدرك جيدًا أن بلاده لا تمتلك مميزات الدولة الفاعلة فلا هي تمتلك مميزات جيواستراتيجية ولا لديها خصائص جيوسياسية ومن هنا أدرك الأمير أن الحل يكمن في الاعتماد على أسلوب جديد يعتمد على التغطية "الجيوإعلامية" عن طريق الجزيرة.
 
وفي الوثيقة رقم 677 من وثائق ويكليكس الخاصة بقطر نرى تحليلا يقول إن النظام القطري يستخدم الجزيرة في تصفية حساباته مع خصومه العرب وأنه نجح في أكثر من مرة في إشعال الفتن في عدد كبير من العواصم العربية عندما توترت العلاقات مع الدوحة من خلال إطلاق العنان إلى هذا البوق الإعلامي الرسمي ومجموعات الكتاب والمذيعين العاملين في القناة للهجوم على خصوم قطر، وكل من يرفض دور قطر كدولة عظمى في العالم.
 
وبذلك نرى أن الجزيرة تصفي حسابات بين قطر والسعودية ظهرت بعد فشل التعاون بينهما في تحقيق أي إنجاز حقيقي سواء في اليمن أو سوريا، فلا يزال بشار الأسد في الحكم بعد ست سنوات من الحرب أنفق فيها المليارات على تسليح المعارضة، فضلا عن القصف اليومي المباشر في منابرهم الإعلامية سواء في "الجزيرة" أو "العربية" السعودية على قصر الحكم في دمشق، نفس الأمر تكرر ضد الحوثيين في اليمن وحتى اللحظة لم تصل عاصفة الحزم إلى نقطة الحسم.
 
راهنت السعودية على تحالف أمير قطر ورئيس تركيا رجب طيب أردوغان في حسم المعركة ضد بشار الأسد، ولكنها فوجئت بأوضاع مختلفة بعدما تلاعب بهم أردوغان لصالح روسيا عقب تحالفه المثير مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما دفع السعودية إلى تعديل رهانتها والاعتماد أكثر على الولايات المتحدة في صراعها مع الهيمنة الإيرانية بعدما طوت صفحة الخلاف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعلى أثره تصالحت مع مصر وظهرت ملامح تقارب جديد بين القاهرة والرياض تجلى في لقاء القمة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك سلمان أثناء كلمة أمير قطر في القمة العربية والتي مثلت صفعة جديدة من السعودية لقطر تُعيد إلى الأذهان صفعات أخرى دأب البيت السعودي على توجيهها لأسرة ال ثاني الحاكمة في قطر.
 
وتعود الخلافات السعودية القطرية إلى القرن الماضي حينما استولى عبد العزيز بن محمد على قطر عام 1202 هـ، وفي عام 1267 هـ أعاد السعوديون غزوهم لقطر في عهد الإمام فيصل بن تركي، وبعد ظهور البريطانيين في الخليج طالبت السعودية بضم قطر لها باعتبارها جزءًا من إقليم الأحساء، ورفضت بريطانيا طلبهم خاصة مع ظهور ثروات قطر النفطية.
 
لم تُرحب السعودية بانقلاب الأمير حمد على والده الأمير خليفة في يونيو 1995، رغم أن قبلها قامت بمغامرة عسكرية صغيرة وهي حادثة الخفوس في عام 1992 وانتهت بمقتل ضابط سعودي وجنديين قطريين، وسيطرة السعودية على منطقة الخفوس على الحدود السعودية القطرية.
 
وفي عام 1996 اتهم الأمير حمد السعودية بمساعدة محاولة انقلابية عليه قام بها عدد من مؤيدي أبوه الأمير السابق المعزول خليفة بن حمد آل ثاني من الأفراد والضباط داخل الجيش القطري والحرس الأميري أغلبهم من قبيلة "آل مرة" والتي قام بطردها وتشريدها خارج قطر من وقتها وإلى الآن.
 
ولا تنسى الأسرة الحاكمة في السعودية ما قاله حمد بن خليفة في تسجيله المُسرب مع القذافي عقب لقاء جمع بينهما في الدوحة عام 2009 خلال ترتيب للمصالحة السعودية الليبية عن أطماعه في السعودية وقرب نهايتها كمملكة موحدة وأحلامه بدخول قطر إلى القطيف والمنطقة الشرقية، وأن الملك عبد الله "رحمه الله" رجل مسكين مجرد واجهة وأن الحاكم الفعلي هو سعود الفيصل "رحمه الله" وأنه مُنتهي وستُقسم بعده السعودية إلى عدة مناطق، لافتًا إلى أن قطر نجحت في سحب نقاط التميز من السعودية في المنطقة عن طريق نقل أمريكا لجنودها من السعودية إلى قطر.
 
وفي افتتاحيتها يوم الإثنين 5/12/2011 سردت صحيفة السفير اللبنانية واقعة تاريخية في غاية الدلالة على العلاقات السعودية القطرية وكيف حاولت قطر الاستقواء بإيران ثم صدام حسين ثم الولايات المتحدة لحسم نزاعها مع السعودية حول منطقة العيديد قبل 15 عاما، وفيها لم يلجأ حاكم قطر إلى الجامعة العربية بل حاول استدراج إيران لتهديد السعودية فرفضت طهران، ثم حاول الاستعانة بصدام حسين مفترضا أن الأمريكيين سيتدخلون لصالح الرياض ويتم فض النزاع بالتفاوض فرفضت بغداد، وحينما لجأ للولايات المتحدة كان شرط التدخل الاعتراف بإسرائيل.
 
وبحسب الصحيفة أوفد حمد وزيره حمد بن جاسم إلى واشنطن للقاء شيمون بيريز رئيس الوزراء آنذاك واعترف بإسرائيل فعلا ثم أعطى العيديد إلى الولايات المتحدة لتقيم عليها أكبر قواعدها في العالم العربي.
 
إذن نحن أمام خلاف قديم بين السعودية وقطر يتجدد كلما نكأ أحدها جراح الأخر، أو حاول عبور الخطوط الحمراء المرسومة مسبقا بينهما، قد يهدأ الخلاف وقد يتطور وقد تتدخل لحله أطراف دولية تملك صلاحيات لفرض إرادتها على كلا الدولتان، وإيقاع الأحداث يسير حسب حاجة قادة الدوحة والرياض لاستثمار مثل ذلك الخلاف، لأنه ليس غريبا عليهما.
 
 
 
 
 
 

اتفرج ايضا

الأسم*:
عنوان التعليق*:
البريد الإليكترونى*:
التعليق*: